"مانجو حسوة" نموذج متطور جمع أصالة الأرض وتطلعات المستقبل
في إحدى قرى جنوب السعودية، تحتضن الجبال الشاهقة شرق مركز الحبيل بمحافظة رجال ألمع، وعلى بعد نحو 20 كيلومتراً، مزرعة "مانجو حسوة" بين التلال والأودية الخضراء، كأحد نماذج الزراعة الذكية التي تراعي مزج أصالة الأرض وتقنيات المستقبل، في تجربة تعكس التحول الذي يشهده القطاع الزراعي في المملكة نحو الاستدامة وكفاءة استخدام الموارد.
والوصول إلى المزرعة ليس مجرد انتقال من مكان إلى آخر، بل تجربة طبيعية فريدة، إذ يمر الزائر عبر طريق جبلي متعرج يكشف مشاهد متتابعة من الجبال والأودية والغطاء النباتي، تملأ أصوات الطيور المكان لتمنح الزائر انطباعاً مبكراً عن البيئة التي تحتضن هذه التجربة الزراعية.
ويعمل في قلب هذه الطبيعة مجموعة من السعوديين على إعادة إحياء النشاط الزراعي في المنطقة بعد سنوات من التحديات، مستندين إلى التقنيات الحديثة والابتكار الزراعي، بجانب مبادرات تهدف إلى المحافظة على الغطاء النباتي والأشجار المحلية وتعزيز التنوع البيئي.
وتنبثق مزرعة "مانجو حسوة"، المعروفة أيضاً باسم "مزرعة عبدالله سعد الزالفي"، مطلع عام 2019، من جهود دعم الاستدامة البيئية وتعزيز الأمن الغذائي، حيث بدأ المشروع بدراسة خصائص التربة وتحليل مصادر المياه للتأكد من ملاءمتها لزراعة "المانجو" في البيئة المتنوعة بمحافظة رجال ألمع.
وتضم عدة أصناف من شجر "المانجو" أبرزها "التومي" و"الأنجرا"؛ فيما تعتمد في الري على مياه الأمطار في الموسم، الممتد عادة بين أغسطس وأكتوبر، إضافة إلى مياه الآبار في فترات الجفاف بعد التأكد من جودتها، حيث أظهرت التحاليل أن ملوحة المياه في البئر المجاورة تبلغ نحو 800 جزء في المليون، وهي ضمن المعدلات المناسبة لري أشجار المانجو.
وما يميز المزرعة اعتمادها على منظومة متكاملة من تقنيات الذكاء الاصطناعي في إدارة العمليات الزراعية، من خلال حساسات لقياس رطوبة التربة، وأجهزة لرصد سرعة الرياح وتحليل جودة المياه، بما يتيح اتخاذ قرارات دقيقة تسهم في رفع كفاءة استخدام الموارد وتحسين الإنتاجية.
ويتوافق هذا النهج الزراعي الحديث، الذي طبقه السعوديون مع نتائج دراسة علمية حديثة أعدتها الدكتورة أمينة حمدوني من جامعة الإمام محمد بن سعود -نشرت العام الجاري على موقع معهد النشر الرقمي متعدد التخصصات (MDPI) بمدينة بازل السويسرية- التي أكدت أن أنظمة الري الحديثة المدعومة بتحليل البيانات والذكاء الاصطناعي تحقق تحسينات ملموسة في كفاءة استخدام المياه وإنتاجية المحاصيل، وتعزز المراقبة الرقمية للمياه دقة القرارات الزراعية وتحد من الهدر عبر الإدارة الذكية للموارد.
وتنسجم هذه التجربة مع مبادرات وطنية في المملكة، ترمي إلى تطوير قطاع الري، على رأسها مشروع "رفع كفاءة الري وإنتاجية المياه بين المزارعين" الذي أطلقته المؤسسة العامة للري بالتعاون مع منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة "الفاو" في عام 2024م؛ بهدف تشجيع المزارعين على تبني تقنيات الري الحديثة والممارسات الزراعية المستدامة، بما يسهم في رفع كفاءة استخدام المياه وتحقيق مستهدفات الأمنين المائي والغذائي.
وبحسب الموقع الرسمي لمنظمة "الفاو"، فإن المشروع يركز على تقنيات الري الذكي، وبناء قدرات المزارعين، وتوسيع استخدام الحلول الرقمية في إدارة المياه، مستهدفًا الوصول إلى معدل اعتماد للتقنيات الحديثة يبلغ 20% في مرحلته الأولى، من خلال إنشاء مزارع إرشادية في عدد من مناطق المملكة، من بينها منطقة عسير، وتدريب المزارعين على تشغيل أنظمة الري الذكية باستخدام أجهزة الاستشعار ووحدات التحكم الرقمية المرتبطة بالهواتف المحمولة.
مقابل ذلك، يؤكد المشرف على مزرعة "مانجو حسوة" جمال الزالفي، أن موسم 2026 م شكّل نقطة تحول في استخدام الذكاء الاصطناعي داخل المزرعة، بعد دمج البيانات الواردة من أجهزة قياس الرطوبة وسرعة الرياح وجودة المياه مع برامج التحليل الذكية.
وقال إن هذه التقنيات أسهمت في تحقيق نسبة تزهير تجاوزت 98% في معظم أشجار المزرعة مقارنةً بالعام الماضي 2025، حيث لم تتجاوز النسبة وقتها 60%، إلى جانب تحسين متابعة احتياجات الأشجار من الري والوقاية والتسميد بصورة أكثر دقة.
وأضاف "أجهزة قياس الرطوبة أصبحت عنصراً أساسياً في إعداد جداول الري، إذ تُحلل البيانات بشكل مستمر عبر برامج الذكاء الاصطناعي لتحديد الموعد الأمثل للري، بما يمنع الهدر ويضمن توفير المياه وتحقيق أفضل نمو للأشجار".
ولا تقتصر منظومة الابتكار الزراعي على هذه الحلول، بل تشمل المخصبات الحيوية التي تعتمد على الكائنات الحية الدقيقة النافعة، لتحسين نمو المحاصيل وتعزيز قدرتها على امتصاص المياه والعناصر الغذائية، إضافةً إلى تقنية النانو، التي تسهم في تطوير العمليات الزراعية ورفع كفاءة استخدام المياه بنسبة تتراوح بين %20 و30%، مما يجعلها من التقنيات الواعدة في دعم استدامة القطاع الزراعي ومواجهة تحديات الأمن الغذائي والبيئي.



























